نورا أسعد جمال عاشور
نظم تكنولوجيا المعلومات
أنا نورا، خريجة كليه تكنولوجيا معلومات الجامعة الإسلامية بغزة ، ابنة مدينة يافا … لكن غزة كانت دائماً أكثر من مجرد مدينة بالنسبة لي، كانت المكان الذي سكنت فيه روحي قبل أن تسكنه خطواتي، والمكان الذي وجدت فيه نفسي وأحلامي وكل التفاصيل التي أحببتها بصدق.
منذ سنوات طويلة، كان حلمي الأكبر أن أدرس في الجامعة الإسلامية بغزة، كنت أنتظر هذه المرحلة وكأنها بداية الحياة التي تمنيتها دائماً. كنت أرى مستقبلي يبدأ من هناك، من القاعات التي حلمت بالجلوس فيها، ومن الطرق التي تخيلت نفسي أمشي بها وأنا أحمل طموحاتي وأحلامي الكبيرة.
وعندما بدأت رحلتي الجامعية، شعرت أنني اقتربت من أحلامي أكثر من أي وقت مضى. أحببت الجامعة بكل تفاصيلها، أحببت الحياة فيها، والوجوه التي اعتدنا رؤيتها كل يوم، والأيام التي كانت مليئة بالأمل والطموح والبدايات الجميلة.
كانت غزة بالنسبة لي مليئة بالحياة رغم كل شيء، وكنا نحاول دائماً أن نصنع من الأيام البسيطة ذكريات لا تُنسى.
لكن الحرب جاءت فجأة… وكأنها سرقت ملامح الحياة التي عرفناها.
تحولت الأيام التي كانت مليئة بالأحلام إلى أيام خوف وقلق وانتظار، وأصبح كل شيء من حولنا مجهولاً ومخيفاً.
عشنا لحظات لم نتخيل يوماً أننا سنعيشها، لحظات كان فيها النجاة حلماً بحد ذاته، وأصبح التفكير بالمستقبل مؤلماً وسط كل هذا الخراب.
اضطررت للابتعاد والسفر إلى عائلتي، وأنا أحمل داخلي حزناً كبيراً على غزة، وعلى كل شيء تركته خلفي، على الجامعة، وعلى الأيام التي تمنيت أن تكتمل كما حلمت بها دائماً.
كان الرحيل مؤلماً جداً، لأن غزة لم تكن مجرد مكان بالنسبة لي، بل كانت حياة كاملة تعلقت بها بكل قلبي، وكانت جزءاً مني لا يمكن وصفه بالكلمات.
ورغم كل ما حدث… لم أسمح للحرب أن تُطفئ أحلامي.
أصررت على إكمال الطريق، وعلى التمسك بالحلم الذي انتظرته سنوات طويلة، وكنت في كل مرة أشعر فيها بالتعب أتذكر أن الأحلام الحقيقية لا تموت مهما كانت الظروف قاسية.
وكانت عائلتي دائماً السند الأكبر لي، يمنحونني القوة في لحظات الضعف، ويزرعون داخلي الأمل كلما شعرت أن الطريق أصبح أثقل من قدرتي على الاحتمال.
وبفضل دعمهم، تعلمت أن الإنسان مهما مرّ بالألم، يستطيع دائماً أن يبدأ من جديد، وأن يتمسك بالحياة حتى في أكثر الأيام ظلمة.
واليوم، وأنا أقترب من نهاية حلمي، أشعر أن هذه الرحلة لم تكن مجرد سنوات دراسة فقط، بل كانت رحلة صبر وقوة وإيمان.
رحلة علمتني كيف يمكن للإنسان أن يقاوم بكل قلبه حتى لا يخسر نفسه وأحلامه، وكيف يمكن للأمل أن يبقى حيّاً رغم كل شيء.
ومن بين كل القصص التي عشناها وسمعناها خلال الحرب، جاءت فكرة “بصمة”…
فكرة وُلدت من الألم، لكنها تحمل في داخلها الكثير من النور والأمل.
أردنا من خلالها أن نوثق الحكايات التي صنعتها الحرب داخلنا، وأن نحفظ أصوات الناس الذين قاوموا الخوف، وتمسكوا بالحياة رغم كل شيء.
“بصمة” لم تكن مجرد مشروع بالنسبة لنا، بل رسالة لكل شخص ظن أن أحلامه انتهت، ورسالة تقول إن الإنسان قادر على النهوض من جديد مهما أتعبته الحياة.
أردنا أن نمنح الناس أملاً، وأن نُذكرهم أن خلف كل وجع توجد قوة خفية تدفعنا للاستمرار، وأن الأحلام قد تتأخر… لكنها لا تموت أبداً.
وربما هذا أكثر ما علمتني إياه غزة…
أن الإنسان يمكنه أن يخسر الكثير، لكنه طالما يملك الأمل، سيبقى قادراً على الحلم، وعلى البدء من جديد، وعلى ترك أثرٍ جميل لا تمحوه الأيام مهما كانت قاسية.