hero image
سير الشهداء
القصة العامة: اعدام بدمٍ بارد

الجدة صاحبة الراية البيضاء

هالة خريس
مجموعة قصصية
سير الشهداء

قضى الكثير من الغزيين برصاص القناص الإسرائيلي، الذي يتعمد استهداف العزّل، السيدة هالة خريس واحدة ممّن قُتلوا قنصًا، وانتشر المقطع المصور الذي قتلت به في وسائل الإعلام.

في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني نزحت هالة رفقة عائلتها من بيتها في حي النصر، بعد اتصال هاتفي أبلغها بوجود تنسيق من الصليب الأحمر مع الجيش الإسرائيلي، لتسهيل حركة النزوح من غزة للجنوب، وبالفعل انطلقت السيدة خريس رفقة أناس كثر ممسكة بيد حفيدها الطفل تيم الذي كان يحمل راية بيضاء، وفي أثناء النزوح كانت هالة بالمقدمة، فطلب الجنود منهم السير نحو اليسار وهذا مناقض لما اتفق عليه، كان يفترض المضي قدمًا للأمام، وبينما تغيّرُ هالة اتجاهها قنصها القناص الإسرائيلي بشكل مباشر.

تقول ابنتها نور خريس، والتي كانت نازحة إلى الجنوب : “يوم قنص والدتي حدثتها فجر اليوم لأطمئن عليها، فأخبرتني أنها على أتمّ الاستعداد للمجيء عندي، وبقيت انتظر اللقاء بفارغ الصبر، فأنا لم أعتد على غيابها لوقت طويل، كان بيتي بجانب بيت عائلتي فأزورها يوميًا، مضت الساعات وأنا أحدّث نفسي أنهم على وشك الوصول، لكن وصلني اتصال يفيد بأن هناك إصابة من عائلتنا، سألت من؟ لم يجيبوني” بقيت نور على أعصابها تحاول الاتصال بشقيقتها التي برفقة والدتها لكن لا مجيب، حتى جاءها اتصال من ابن خالتها فسألته: “أين أنتم؟”، صمت بصورة أرعبت نور فهوى قلبها من مكانه، فتكمل: “قلي بدك تستعوضي رب العباد وتستهدي بالله أهلك كلهم بخير، بس إمك استشهدت”، لم أصدق أبدًا، فقد وعدتني بالحضور عندي، دخلت بعدها في حالة انهيار عصبي، وما زلت كلما أذكر تلك اللحظة التي سمعت خبر أستشهادها ارتجف”.

تروي نور التي علمت من أشقائها لاحقًا أنه تمّ سحب والدتها من مكان الحادثة بواسطة شقيقها محمد ووالدها، والتوجّه بها نحو منزلهم لدفنها هناك: “والدتي استشهدت على الفور، فالقناص تعمّد إصابتها إصابة قاتلة، حينها كان معها تيم ابن شقيقتي هبة، فركض خوفًا من صوت الرصاص بعيدًا، فتاه عن والدته التي كانت ما زالت في منزلها تلمّ حاجيتها، ووصل للجنوب برفقة إحدى العائلات، ثم وجدناه لاحقًا”.

بعد الحادثة انتشر فيديو قنص السيدة هالة في وسائل الإعلام، فرأته نور و تقول: “لما شفت الفيديو فتح الجروح من أول وجديد ضليتني أفتحه أشوفه وأبكي وحاسة بقهر جواتي مش طبيعي، ودايمًا بفتحه بمرّ عليه وببكي”.أما شقيقة نور، سارة، فكانت برفقة والدتها وقت قنصها، فقالت: “مش قادرة انسى، صوت الرصاصة مش مفارقني، مكنتش أعرف وقتها أنه الرصاصة لإمي”.

تعود نور بالذاكرة ليوم 11 نوفمبر/ تشرين الثاني، يوم حاصرت الدبابات أهلها في حي النصر، فقد رأت عبر الشاشات صورًا للآليات تتمركز في شارع بيت العائلة، فهاتفت والدتها ككل يوم تخبرها أن تأتي للجنوب فالأوضاع صعبة في مكان سكنهم، لكن والدتها كل مرة كانت ترفض النزوح، وبعد إلحاح مكثّف قبلت أن تنزح.

تكمل نور: “أمي بـ 13 أكتوبر/ تشرين الأول لما رموا مناشير الإخلاء للشمال علينا، طلعت مع كل العيلة على أرض إلنا بخان يونس، لكن بعد أيام ما ارتاحت حكت بدي أرجع بيتي مش قادرة أبعد عنه ولا عن غزة، وبالفعل رجعت هناك هي وبابا وخواتي، وضليت أنا بالجنوب مع عيلتي الصغيرة”في يوم النزوح الأول من غزة بكت هالة كثيرًا وهي تغادر بيتها، تروي لنا نور أنها كانت تستضيف سيدة مسنّة وابنتها في المنزل، ولم تكن تعرفهما من قبل، ومع ذلك فتحت لهم البيت واستقبلتهم بحفاوة، كعادتها مع الزوار، وحينما نزحت للجنوب أوصلت السيدة المسنة إلى ابنها بدموعها، تردف نور: “إمي فش زيها بالدنيا حنونة على القريب والغريب، مربية أجيال فريدة من نوعها، تقاعدت لحتى تقضي معنا وقت أكبر لكن “إسرائيل” قتلتها وما سمحت النا نعيش بسلام”.

في يوم السابع من أكتوبر كان لدى عائلة خريس خطوبة ابنهم محمد، وكانت السيدة هالة متحمسة لإتمام الزيجة، لكن انقلبت الأمور رأسًا على عقب، تروي نور أيضاً : “كنت أود رؤية فرحة أمي بتمام زواج شقيقي لكن الحمد لله على أقدار الله، وها نحن كل منا تفرّق في بلد، أنا أقطن بمصر رفقة عائلتي، وباقي العائلة منهم من بقي في غزة يعاني مرارة النزوح، ومنهم من سافر بغية الحصول على نجاة”.