hero image
سير الشهداء
القصة العامة: ناشط وثق حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة

صوت غزة الذي صمت برصاص الغدر

صالح الجعفراوي
مجموعة قصصية
سير الشهداء

ولد صالح عامر الجعفراوي في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1998 بقطاع غزة، وهو حافظ لكتاب الله تعالى، وعرف بترتيله العذب -كأبيه- على منصات التواصل الاجتماعي، وإنشاده الذي كان يرفع معنويات الغزيين أثناء حرب الإبادة، وكان من أبرز أناشيده أغنيته الشعبية "قوية يا غزة"، درس الصحافة والإعلام في كلية الآداب بالجامعة الإسلامية بغزة، وتخرج فيها عام 2019، اشتهر بلعبه تنس الطاولة في طفولته، وبرز فيها وانضم في فترة دراسته الجامعية إلى فريق الجامعة الإسلامية بغزة، وحصل على المركز الأول على مستوى الجامعة الإسلامية لتنس الطاولة عام 2022، وفي الرابع من فبراير/شباط 2023، شارك في بطولة العالم التي أقيمت في دولة قطر ممثلا عن دولة فلسطين.

عمل الجعفراوي مصوراً مستقلاً لعدد من المؤسسات الإعلامية المحلية في غزة، وعرفه الناس أول مرة في مسيرات العودة عام 2018، حين برز إعلامياً شاباً ميدانياً يمتلك حساً صحفياً عالياً وقدرة على الوصول إلى قلب الحدث كما وصفه زملاؤه، وغطى الجعفراوي أحداث مسيرات العودة من الخطوط الأمامية، وأُصيب أكثر من مرة، لكنه واصل المسير.

وبرز أكثر منذ الأيام الأولى للعدوان على غزة واحداً من الأصوات الميدانية، ومن أبرز الوجوه الإعلامية التي اختارت البقاء في قلب الخطر لتوثيق جرائم الاحتلال بحق المدنيين على مدى عامين بعدسته عبر حسابه في إنستغرام، عرفه المتابعون بشجاعته في تغطية القصف والدمار وتنقله بين المستشفيات والملاجئ والمناطق المنكوبة وحصدت مقاطعه مشاهدات عالية، حتى تخطى عدد متابعيه 10 ملايين شخص على إنستغرام، مما تسبب بإغلاق حسابه الشخصي مرات كثيرة، ومنعه من إنشاء حسابات جديدة.

أعلنت وزارة الداخلية والأمن الوطني في قطاع غزة مساء يوم الأحد 12 أكتوبر/تشرين الأول 2025 ميلاديًا الموافق 20 ربيع الآخر 1447 هجريًا، عن وقوع اشتباكاتٍ بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية ومليشياتٍ مسلحة في حي الصبرة بمدينة غزة، مما أسفر عن قتلى وجرحى، ليأتي بعدها تأكيدٌ على استشهاد صالح الجعفراوي، كما أشارت مصادر أخرى بأنَّ صالح كان قد اختُطف صباح يوم الأحد 12 أكتوبر 2025 من حي الصبرة بمدينة غزة، على يد عناصر مسلحة مجهولة الهوية، وسط إطلاق نار كثيف تسبب بحالة من الذعر بين السكان. وبعد ساعاتٍ من انقطاع الاتصال به، عُثر على جثمانه في المنطقة ذاتها، وقد أصيب بطلقات ناريةٍ في أجزاء مختلفة من جسده ذكرت فضائية الأقصى بأنَّ الصحفي صالح الجعفراوي لقي حتفه بنيران عصابات مسلحة خلال تغطيته عودة المواطنين إلى مدينة غزة.

وصيته:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، القائل: “وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا، بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.” أنا صالح. أترك وصيتي هذه، لا وداعًا، بل استمرارًا لطريقٍ اخترته عن يقين.

يعلم الله أنني بذلت كل ما أملك من جهدٍ وقوة، لأكون سندًا وصوتًا لأبناء شعبي، عشتُ الألم والقهر بكل تفاصيله، وذُقت الوجع وفقد الأحبة مرارًا، ورغم ذلك لم أتوانَ يومًا عن نقل الحقيقة كما هي، الحقيقة التي ستبقى حجة على كل من تخاذل وصمت وأيضا شرف لكل من نصر ودعم ووقف مع أشرف الرجال وأعز الناس وأكرمهم أهل غزة إن استشهدت، فاعلموا أنني لم أغب… أنا الآن في الجنة، مع رفاقي الذين سبقوني؛ مع أنس، وإسماعيل، وكل الأحبة الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

أوصيكم أن تذكروني في دعائكم، وأن تُكملوا المسير من بعدي. تذكروني بصدقاتٍ جارية، واذكروني كلما سمعتم الأذان أو رأيتم النور يشقّ ليل غزة. أوصيكم بالمقاومة… بالطريق الذي سرنا عليه، وبالنهج الذي آمنا به. فما عرفنا لأنفسنا طريقًا غيره، ولا وجدنا معنى للحياة إلا في الثبات عليه.

اوصيكم بأبي .. حبيب قلبي وقدوتي، من كنت أرى نفسي فيه ويرى نفسه في .. يا من رافقتني وقت الحرب بكل ما فيها .. أسأل الله أن نلتقي في الجنان وأنت راض عني يا تاج رأسي اوصيكم بأخي ومعلمي ورفيق دربي ناجي، يا ناجي… قد سبقتُك إلى الله قبل أن تخرج من السجن، فاعلم أن هذا قَدَرٌ كتبه الله، وأن الشوق إليك يسكنني، كنت أتمنى أن أراك، أن أضمّك، أن نلتقي، لكن وعد الله حق، ولقاؤنا في الجنة أقرب مما تظن. اوصيكم بأمي… يا أمي، الحياة بدونك لا شيء. كنتِ الدعاء الذي لا ينقطع، والأمنية التي لا تموت. دعوتُ الله أن يشفيك ويعافيك، وكم حلمت أن أراكِ تسافرين للعلاج، وتعودين مبتسمة.

اوصيكم بإخوتي وأخواتي، رضا الله ثم رضاكم غايتي، أسأل الله أن يسعدكم، وأن يجعل حياتكم طيبة كقلوبكم الرقيقة التي طالما حاولت ان اكون مصدر سعادةٍ لها. كنتُ أقول دومًا: لا تسقط الكلمة، ولا تسقط الصورة. الكلمة أمانة، والصورة رسالة، احملوها للعالم كما حملناها نحن. لا تظنوا أن استشهادي نهاية، بل هو بداية لطريقٍ طويلٍ نحو الحرية. أنا رسول رسالةٍ أردت أن تصل إلى العالم—إلى العالم المغمض عينيه، وإلى الصامتين عن الحق. وإن سمعتم بخبري، فلا تبكوا عليّ. لقد تمنّيتُ هذه اللحظة طويلًا، وسألت الله أن يرزقني إياها فالحمد لله الذي اختارني لما أحب.

ولكل من أساء إلي في حياتي شتماً أو قذفاً كذباً وبهتاناً أقول لكم ها أنا أرحل إلى الله شهيدا بإذن الله وعند الله تجتمع الخصوم.

أوصيكم بفلسطين… بالمسجد الأقصى… كانت أمنيتي أن أصل فناءه، أن أُصلّي فيه، أن ألمس ترابه. فإن لم أصل إليه في الدنيا، فأسأل الله أن يجمعنا جميعًا عنده في جنات الخلد اللهم تقبّلني في الشهداء، واغفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر، واجعل دمي نورًا يُضيء درب الحرية لشعبي وأهلي.

سامحوني إن قصّرت، وادعوا لي بالرحمة والمغفرة، فإني مضيتُ على العهد، ولم أُغيّر ولم أُبدّل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوكم الشهيد بإذن الله صالح عامر فؤاد الجعفراوي 12/10/2025 هذا ما اوصى بنشره الحبيب صالح عند استشهاده.