hero image
قيود الحرية
القصة العامة: ساعة بين الفقد واللقاء

من زنازين السجن إلى فجيعة الفقد

ناجي الجعفراوي
مجموعة قصصية
قيود الحرية

ناجي الجعفراوي هو خطيب وإمام مسجد الشيخ زايد بغزة، يحمل بكالوريوس في الشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى دبلوم تأهيل دعاة ومحفظين، يعمل في دائرة الخطباء والوعاظ في فلسطين.

مشهور أيضاً بتلاواته للقرآن الكريم، خصوصًا في القراءة المرتلة برواية حفص عن عاصم، له مصحف رقمي مرتل بعنوان «مصحف ناجي الجعفراوي – مرتل» متاح للاستماع والمشاركة على مواقع تجميع المصاحف الرقمية، اعتُقل الشيخ ناجي من مستشفى الشفاء خلال حملة الاقتحام التي قام بها الجيش الإسرائيلي خلال حرب الإبادة على غزة.

من بين الأسرى الذين تنسموا عبير الحرية بعد سنواتٍ من العتمة، كان الأسير ناجي الجعفراوي، الذي خرج من السجن محمّلًا بذاكرةٍ من العذاب، وقلبٍ مثقلٍ بخبرٍ مفجعٍ وصله مع أول لحظة حرية: شقيقه الصحفي صالح الجعفراوي استُشهد قبل يوم من تحرره، غدرًا على يد متعاونين مع الاحتلال، بينما كان يؤدي واجبه الإنساني في توثيق الحقيقة وسط ركام الحرب.

ناجي الذي عاش وجع الأسر وذاق مرارة السجن خرج ليجد أن جزءًا من قلبه قد سبقَه إلى السماء في الوقت الذي كان يحمل الكاميرا بدل السلاح، يوثّق الوجع لا ليُرى، بل ليُحسّ، و قال ناجي بصوتٍ متكسر أمام جمعٍ من الصحفيين: "لقد أصابتنا الضراء في صالح، وأمر المؤمن كله خير، أنتم تكملون مسيرته، وقد أحسن بي ربي إذ أخرجني من السجن، وأسأل الله أن لا تبقى في جفن أم أسير دمعة"، ثم صمت قليلًا، وواصل بحشرجةٍ تختنق بين الألم والإيمان: "والله لا يصف السجن واصف، إنه أعظم من أن تحيط به الكلمة. داسونا بأقدامهم، وعلّقونا مئة يومٍ معصوبي الأعين ومكبّلين، حتى كتب لي الأطباء استئصال مرارةٍ من جسدٍ أُنهك من القهر."

يتحدث ناجي وكأنه يخرج من ظلمةٍ إلى أخرى؛ من زنازين السجن إلى فجيعة الفقد، يقول إن قصص الأسرى لا تكفيها المقابلات ولا المجلدات، لأن كل لحظة هناك تحمل موتًا صغيرًا، وكل صوتٍ في الممرات يحمل وجع أمٍّ تنتظر، رحل صالح وترك الكاميرا على الرصيف، وعاد ناجي ليجد الصورة الأخيرة التي التقطها أخوه شاهدة على الوجع كله، دم صالح لم يُهدر، كما يقول ناجي، بل صار حبرًا جديدًا في حكايةٍ لا تنتهي.

"سنكمل الطريق يا صالح، بالكلمة، بالصبر، وباليقين أن الله لا يضيع أجر الصابرين."....